Gagnants, Perdants / Soutenons le peuple Palestinien

Gagnants, Perdants / Soutenons le peuple Palestinien
Nous on ne veut pas être des gagnants... Mais on n'acceptera jamais d’être des perdants

jeudi 1 avril 2010

هنالك حب - إلياس الماجري



هناك, في المنسيِّ من التلال,
في قرى الشمال,
سماءٌ لا يُخفي باطنها خبراً
و لا يذكر الرُّوات متن حكاياتهم,
هناك, الفجر لا يستيقض من سباته
إلاَّ مع أولى نيران النسوة,
و السُّنونوُّ يتبعهنَّ
لكي لا ينسى الأغنيات.
هناك, صبيَّةٌ تتزيَّن
بخيطان الأمنيات,
و تحمل دلو الماء الكبير,
لتمُرَّ أمام مقهى رواَّده من الشيوخ
الآبقين عن الزمن,
و الشباب العاطلين عن العمل,
تتثنَّى على حاجبي حبيبها
و تمضي وراء الشَّجر...
هناك, وراء الشَّجر,
قبلاتٌ تتخفَّى عن الخبر
و نهار يُخاصم مساءً
و القصد أن يحميهما من عيني القدر.
هناك, القصيد حياء
و الشعر إذا راوده البيان أدبر,
يوم العاشقين يمتدُّ أكثر...

هناك, في قرى الشمال,
في المنسيِّ من التلال,
هنالك حبّ.


*****

هناك, في خماَّرة المدينة,
لازال يلتقي بكرسيِّه,
و الذكريات,
و صحبٍ غادروا مجلسه قبل عقدين من الزَّمن.
كل شيء كما كان :
ضوضاء الحانة,
عراك السَّكارى,
و الشيخ إمام في باطنه لازال يعزف ذات اللَّحنِ.
يجسُّ لحيته بأنامله,
يحسُّ حرَّ الخمر يسري في مفاصله,
ينفث دخان الحنين... يدفعه بعيداً, هناك.
هناك, في صدره, شيءٌ ما
يأبى الإنعتاق.
هناك, و هناك فقط, لازال المشهد
كما كان يوم الفراق.
لازالت إمرأةٌ تفاوضه في
شؤون الحياة :
عليه أن يحيا,
و عليه أن يقتل الذكرى..
و عليه ما عليه من إعياء و إخفاء و كبرياء..
و وفاء.. لغدٍ إحترف خيانة الأمنيات.
هناك, في قلبه, شيءٌ ما يأبى الحياة
و يأبى الممات...

هناك, وراء باب النسيان
و بين ما تلبَّد من الدخان,
هنالك غوغاء و ضوضاء,
و فقراء,
و من أجهضوا ساعة حلُمٍ.. ربما كانوا شعراء..
هناك, في حانةٍ قديمة,
هنالك حب.


*****


هناك, بين المتشابك من الحيطان
الرماديَّة,
و بين قِطع الظلام المرميَّة,
المساء كما هو, في الأحياء الشعبيَّة :
آخر الخارجين من المقهى يعلمون علم اليقين
أنهم إليه, غداً, عائدون.
الشيوخ يتمُّون صلاتهم
و يُلقون أبصارهم على أولادهم سلاماَ,
و أولادهم يلقونهم
بما تصنَّعوا من ورعٍ و تقوى...
هناك, الله لم يمُت تماماَ.
هناك, بين الأزقَّة, الليل يمشي ثقيلاَ,
و الظُّلمةُ تجثم كمن تُخفي في صدرها قتيلاَ.
البيوت تسحب نورها,
و لا ضوء إلاَّ ما أشعل القمر فتيلاَ.
هناك, في أقاصي الزقاق
فوق سطحٍ مُندَّى
فتًى يسترق البصر إلى نافذة الجوار
تلتقي عيناه بعيناها
و يقتلهما ما لم يفقها من الحوار...
هل الشوق إثمٌ,
إن لم يتَّخذ في مساكن الأغنياء قرار ؟
أم الرغبات, إن لم تستلقِ على أسرَّةٍ
من حرير, سمَّوها عار ؟
هي, تسحب ثوبها اللَّيلي عن حرفَي كتفَيها.
هو, يلعق النَّدى, و ينفث لهاثه بين ثدييها.

هناك, بين المتشابك من الحيطان
الرَّماديَّة,
و بين قِطع الظلام المرميَّة,
هناك, أنا, و أنا من هناك.

هناك, ظلٌّ ينحني من الشُّباَّك
و شوقٌ يمتدُّ إلى الهلاك.
هنالك حب.


*****


ثَمِلةٌ بالعشقِ, هيَ, كما كلَّ ليلة...
أخرجت إسمه من شؤون ثدييها
لا لتقرأه,
بل لتستنشقه من رائحة الأبجديَّة.
خبَّئت إسمه, أسندته, هناك, إلى ثدييها
لا لتعتقه,
بل لتسرقه من لائحة على جدار الأبجديَّة.
هناك, في دفأ ثدييها,
هنالك حب...
حبٌّ مُتحرِّرٌ من رائحة العطر الأنثوي
و من فُتات التِّبغ الذكوريّ
في جيوب الذاكرة.
حبٌّ, كالإثم, لا شُعوريّ,
يسعى بين الإعتياديّ و الأسطورة...
هيَ, كلَّما أضاعت أناملها في تفاصيل جسمها
تجلَّى لها وشماً و صورة :
هوَ, وحده لا شريك له, ماهيتها
خالق كينونتها,
تمام أنوثتها...
نزعت وشاحها عن رأسها
تذكَّرت غزلاً قديماً بين شَعرها و يداه,
كانت تغُضُّ طرفاً عن رائحة دخانه,
حتَّى لا تُنغِّص عليه هذيانه.
كان يرصد في باطنها رؤيةً
واقعيَّة,
لا تجريدٌ و لا صورة,
و يقول : سنكون هناك,
كلَّما أسند رأسه إلى قلبها.
و يقول : هناك, سأُغيِّر الرَّسم الإلاهيّ, قليلاً :
لكِ غرفةُ نومٍ تنفتحُ إلى شُرفة
فالعصافير, في القصص القديم,
تتَّخذ من الإنشاد الصباحيِّ حرفة..
لنا في جوف البيت باحة
نستبيح فيها أحاديثاً صيفيَّة
و نُتيح للوقتِ وقتاً للراَّحة..
و لي, فخركِ بي.

هكذا كان يرسم فتًى على قلب أمِّه,
قبل أن يأخذوه إلى هناك,
إلى الزنزانة.

هناك, في الزنزانة, هنالك نفس
الرَّسم, على الجدار.
و هناك, في الزنزانة,
هنالك حب



_______________________________________________

...
إهداء : إلى مناضلي الإتحاد العام لطلبة تونس الذين يتعرَّضون للإعتقالات
و إلى كل مساجين الرأي في العالم

هباء منبثّ - إلياس الماجري


هباء منبث (حديث في الحنين بين سجين و جنين) - الياس الماجري.
تونس, نوفمبر 2009.
إلى الرفيق الطالب ...



السلام و الكلام على من أثث بالحطام بيتاً في الحنين و آثر هيولة الغريزة على ما تردد في ذا الزمان من بيوت الرخام.
و قد كان العرب إذا ما تراسلوا, استهلُّوا القول بالدباجة. و إنِّي اذا أصدرت فقد حقَّ قول إبن باجة : "و أماَّ المظنونة فقد تكون كاذبةً و تكون صادقة".
و ليس الصدق أن أخبر بالحق, و لكن الصدق يا رفيقي أن يتحرر جمال قولي من محاكات جمالك. و كما جاء في قول أبي تمام : "الحق ما كان جميلاً".
و إن كناَّ لا نبصر الماضي فلأنَّ البصر لا يقوى على الإمتداد إلى باطن أنفسنا.
و ليس الماضي ما إرتحل و مضى... و لكنَّ الماضي هو ذلك الإمضاء المخفيّ الذي يعقب كلَّ قولنا, و ما يضمر كلَّ فعلنا.
و أماَّ السجن فهو باطن المدينة. و أماَّ الباطن فهي اشتقاق من البطن. فكن في عزلتك يا رفيقي كرضيع, أو ككل كيان يتردد من عدم. و أماَّ بعد, فعلى قولي ظلُّك و ظلالك, و قد أعيتني الإجابات فحقَّ عليَّ أن أصيغ من سؤالي سؤالك:


أطلتَ ظلالك على زمن من رخام
أقمتَ حبالك على سقف من ظلام ...
و تجرَّدتَ سفراً من جسدكِ المحنيِّ
للراَّجمين و الكلام.
هو الأزرق المخصيُّ على ضفاف أناملك
هو اللاشيء يجهد هباءً, و لا سفر و لا تكوين
إذ قال ليَ رفيق من الصّحف الأولى : "ما الفرق بين القبور و الزنازين ؟"
قلتُ : "لا شيء ... أُجيبكَ حين أعرف الفرق بين الأحياء و الميِّتين".
و قال ضلع لضلعي : "و لكنَّك شاعر غير مكتمل الفوضى ...
فلا تُفوِّت على النوارس فرصة التأبين".
قد تحتاج لأمرأة تحقنك بأظافرها
و لكنَّك مبعثر الأنفاس
في أزقَّة حيطانها من ناس...
أ مازِلتَ اليومَ حِلاًّ بهذا البلد الحزين ؟
و لو كنتَ في الغار لقلت لظلِّك حتماً :
لا تخف فانَّ الحقَّ معنا,
و إنَّ الحقَّ مبين.
و لكنَّك تفتقد الأحمر في قهوتك ... و تقول سراًّ :
لا فرق بين حدود هذا الوطن و قضبان الحنين.
فلتنكِّس الراَّيتين
حتَّى إنبلاج الشوق من أضلع الآخرين.

بعد قليل سيُطالبك المسافرون بما تعسَّر من عرقكَ
و بعد قليل سيجلدكَ شرطيٌّ بما تعثَّرَ من القانون
و بعد قليل -أو منذ حين- سيخرج الرَّقيب من التلفزيون
و بعد قليل ... ستتلو فصلاً من الجنون :

هي الأُنثى منثورة في المجازات
هي العِزَّة ... و هي اللاَّت
جبريل مات
قبائل تنصبك لأنَّ ما قبلك مرفوع
و قبائل تجهلك لأنَّها لا ترى في جلَدكَ إلاَّ
ما رسخ في الجينات ... من جِلد اليسوع.
قلتَ : جبريل مات ...
فطالبوك بالبيانات اللفظيَّة.
أين القبائل من بعد عاد و أندلسَ ؟
أم أنَّ إندثار العرب من بعد أحمدَ يلزمه
إبتكار علم جديد للمصطلحات ؟
قلتَ : جبريل مات.
فطوَّقوك بلسان العرب.
قلتَ هذا كتاب "ڤفصيّ"
و لو كان إبن منظور اليوم حياًّ
لكان إلى جانب عدنان الحاجي في حبسه.

قلت : لا فرق بين ربٍّ ميِّتٍ و ربٍّ لا يستجيب.
إحذر ثوبك إن لم يصن عرضك
إحذر طلاء أظافر حبيبتك,
فقد يسليك عن الرحيل.
إحذر سجاَّدة أبيك
إحذر ما قال صاحبكَ لأخيك ...
لا ... لا تُسمِّي من أحببت في حوار هاتفيّ,
لا تكن ولداً مطيع,
لا تكن عشباً للقطيع.
بعد قليل سيرتاد إسمك المقاهي ليُعوِّض جسمك ...
فلا تغب كثيراً حتَّى لا ينسوا لفظ إسمك.
بعد قليل سيدخل عليك شرطيّ
و يسألك :
"هل تعرف لماذا أنتَ الآن هنا ؟"
أجب :
"مائة و ستون ألف خيانة مثلك".

تقول أمٌّ لقمر يعضُّ عزلتها :
"هذا الليل كلُّه احتمالات ...
هل نام ؟ أم لازال رهن التحقيقات ؟
هل أطعموه ؟
هل ضمَّدوه بعد أن حفروا على جسمه
فصلاً من الدستور ؟
هل اكتوى بسجائر المحققين
-هكذا قال القائلون للوشات-
هل استنزفوا فيه حقدهم ؟
أم لازال حقدهم كظنِّي وفير الإحتمالات ؟"

يخرج راوي غريب
يعارض الشاعر
و يطرد الماَّرة بين سطور القصيد :
"لا دور لشخصيَّة الأم في هذا الحديث
فليواصل كلٌّ طريقه إلى السكون".


لا تتعب ساعداك بإحتضان الهباء
لا ترحل مع الراحلين
و لا تعرض زندك ليقيموا مجداً للغرباء


النجم أزرق في عينيك
و أنت تعبر من جدارك إلى قطارك.
الموت أخرس, حين تغازل مرآتكَ
فيستمع إلى حوارك.
النساء يتحررن
حين تغلق التلفزيون و تقول لإمرأة عابرة :
"ليتني حلٌّ بهته العيون".


البند الأوَّل من حقوق الإنسان :
لكل إمرأة حق إقتسام الصباح
مع من يهبها ليلاً لتعداد الجراح.

البند الأوَّل من حقوق الإنسان :
لكل رجل حق إرتداء قناع
و لكل لحظة حق الإتساع.

ليست كتابة الشعر أن تقول ما لا يُقال
بل, أن تُقيم للمفردات قبائل في الظلال.

هته القصيدة لا عنوان لمرساها
و لا قائل لها سواها
و باسم الغائبين مجراها...

صدِّق الأنثى حين تقول :
"بكارتك أشعارك, أو لا تكون,
فلنرتكب إثمينا... و لنمزِّق الليل و هذا السكون".
سأنساكَ غداً
سأنساك يداً
سأمسح بقميصك الأخير غبار الكتب
ليشتم الغد عرقك.

سيسألني الغد :
"أين القبائل من بعد عاد و القدس ؟
أين القبائل من بعد عاد و مكَّة ؟"
و سأسأل بدوري الغد :
"أين السجون ؟"
علَّني أقسم بمواقع السجون...
و علَّه يكون... قسمٌ لو تعلمون عظيم.


أماَّ الآن, فنصفك يعتكف خصري, و الباقيات الآبقات على نهر من حنين تعبر عيناي لتقتفي وصلك.
جلستُ على كرسيِّك في المقهى سهواً, فرأيت ظلِّي ظلَّك. لا, ليس الغياب أن لا تنادي نادل المقهى, بل الغياب أن أرى خطَّك يقود خطاي في هذا الكتاب.
أعتذر للكرسيِّ لأنَّه يشاركني خطيئة الحنين, و أُغيِّر المقعد. أنظر للمارَّة : كلٌّ في سجنه.
لا أبيض الاَّ ما عانقت الشمس من الصدفة. و لا فوضى الاَّ ما غرَّ الكيان بنظفة. العابرون هم العابرون. أجرِّب إسمي مع إيقاع إسمك. ثم أقول : أنا أحرفٌ مكتوبةٌ ما بين الرمل و العدم.
أدفع حسابي للنادل فينسى كعادته أن يُرجع لي ما تبقَّى من المواطَنَة.
أمضي وسط حشود المارَّة و أختفي عن الكرسيّ. لكنِّي ألقاك في طفل صغير يراود ابتسامتي ببرائة الغد.
لا شيء عفويٌّ إلاَّ الغد... هكذا تواسيني خاطرتي.
سألقاك غداً
سألقاك يداً
فلا تنس إسمك يا محمد.
صحراء أم مدينة ؟ هذا سؤال الباحثين عن الحقيقة... أماَّ نحن فلنا في غدنا ذكرى, و لا شيء يسبقنا إلى مضارعنا إلاَّ ما ضاع من الآفلين فينا... محمَّد, عليّ, أبو الطيِّب, كارل ماركس, نيتشه, سارتر, أرنستو تشي غيفارا, المسعدي, درويش... هكذا الانسان, كلما ما ضاق به الزمان غيَّر عنوانه و قوَّم بالمدِّ آفاقه. نحن لا ننتمي للآن يا رفيقي, بل نحن اللَّحظة الأبد.
سألقاك غداً.
هل ستكون حاضراً في ندوتنا الشِّعريَّة المقبلة ؟
هل سأقرأ على مسمعك هذا النص ؟
بعد جيل سنحاور صحرائنا و نسألها عن المتنبِّي... أماَّ الآن, فللمارَّة على جراحنا حقُّ التأمين على المستقبل. ليس الماضي إلى غده كقنديل "باب منارة". و لكن, نحن لا نفكِّر, بل نحن بيوتٌ في الحنين.
بعد قليل سألبس بيتي و أدوِّن :
أيهما أصدق في صدري... المساحة ؟ أم الإباحة ؟
قد تجيبني غداً :
لا فرق بينهما... فكلاهما يتردد في أنفاسكَ صدًى.
و سلام على من إتَّبع خطى الراحلين فيه إلى كيانه.



_________
إليــاس المــاجري